السبت، 29 سبتمبر 2012

الليله .. حكايتى مع الحضره





كنت بحب الرسم جدا فى طفولتى .. كانت مدرسة الرسم دايما تقوللى انت رسمك جميل بس شكلك بتحب اللون الأخضر أوى!!..
وكانت دايما إجابتى : أيوه بحب الأخضر والأبيض .. بس الأبيض مش لون ياحبيبى .. خلاص خلاص بحب الأخضر بس. 

عشت طفولتى فى بيت فى أرياف المنصوره .. وكان جارنا عم السيد أبو شنب .. راجل فلاح حيلته كام قيراط وعربيه وحمار .. كانو دايما يقوله إن أصله سودانى .. بربرى .. حاجه كده .. لأنه كان بيتكلم بسرعه جدا لدرجة انى كنت بفهمه بصعوبه.
عم السيد كان من عشاق الحضره .. كان كل لما يحصل عنده مناسبه سعيده .. ولادة عيل .. طهور .. ابنه نجح فى أولى ابتدائى .. أى مناسبه .. كان لازم يعمل ليلة ذكر ..

وكنت أنا بالتالى مستحيل أعرف أنام لحد قرب الفجر من أصوات زوار عم السيد.
معرفش كان عندى كام سنه بالظبط .. بس وعيت على منظر المريدين بجلاليب بيضا وشيلان خضرا منهمكين فى الذكر .. كان شباك الصالون فى بيتنا القديم بيطل على الساحه اللى بيذكرو فيها .. كنت بقعد بالساعات والليالى أتفرج عليهم وأنا مستمتع جدا .. مع إن الذكر بتاعهم بالنسبه لى وقتها مكانش مفهوم أوى .. بس كنت مشدود لحركاتهم وطريقة تمايلهم فى صفوف .. كل واحد بيهز جسمه وإيديه يمين وشمال بشكل مختلف .. بس مع الوقت كنت بحس بتناغم فى حركتهم لا ارادي .. كلهم مغمضين عنيهم بس بيعملوا نفس الحركات .. بيحصل زى توحد جماعى صعب وصفه.. نفس الأحاسيس .. نفس الملامح .. اندماج غريب يشد النظر ويخليك تندمج معاهم.
كنت أعرف كتير من معازيم عم السيد .. كلهم زى حالاته طول النهار فى الغيط ومهدود حيله .. بس فى الليله .. لازم يذكر طول الليل .. لحد ما تخدو الجلاله!!.
الليله بتكون على مراحل .. فى وسطها عم السيد وولاده كانوا بيقدمو للضيوف الرز بلبن كالمعتاد .. وطبعا فيه شيوخ بيطلعو ياكلو جوه البيت بط وفراخ .. كل واحد حسب قيمته فى الحضره .. وكان دايما الذكر بيبدأ بطىء وممل بالنسبه لى .. كنت ساعات أغفل .. وأصحى على صوتهم لما العمليه تسخن .. لما يعلى صوت الذكر .. وحركتهم تبقى سريعه .. لدرجت انى كنت بسمع صوت تنهداتهم عاليه .. منتظمه .. وقويه جدا.. 
 الوقت ده بتحس ان حصل إندماج غريب بين العشرات اللى واقفين فى أربع صفوف على الأقل .. بيذكروا بصوت عالى .. الله .. حى .. الله .. حى .. مدااااااد .. شيلانهم الخضرا .. جلاليبهم البيضا .. عنف حركتهم .. تنهداتهم .. نظامهم .. بتحس انهم بينادو ربنا .. وخلاص .. هيتمثل قدامهم فى آيه ولاّ معجزه ويجيب طلباتهم .. ومع سرعه وعنف الحركه ..كان دايما بيقع واحد أو إتنين فى الليله من كتر الارهاق .. واللى بيقع بيفضل جسمه يتهز ولسانه مبيوقفش .. الله .. حى .. الله .. حى .. بسرعه كبيره... وتحس ان اللى واقفين حواليه مش عايزين يقطعو تسلسل احاسيسهم واندماجهم ... شويه .. وبيتقدم اتنين تلاته يشيلوه على جنب ويسيبو حد يهتم بيه بشوية ميه بلمون ... ويرجعو بسرعه للصف عشان يكملو ذكر.
كانت الليله بتنتهى قرب الفجر .. وأدخل أنام وأنا مش فاهم حاجه من اللى كانت بتحصل ... بس كان بيعلق معايا اللون الابيض والاخضر اللى طول الليل عينى عليه ... أهلى كانو بيرفضو مجرد الكلام فى الحاجات دى وبيعتبروها جهل وتخلف .. علشان كده مكنتش بتكلم مع حد وبحاول أفهم لوحدى .. كنت شايف الموضوع حاجه كده حلوه وخلاص ... حاجه يعنى !! .. متتوصفش.
كل سنه كنت بشوف أكتر من ليله بالشكل ده .. لحد ما قررت إنى لازم أجرب ... أيوه .. عايز أذكر زيهم ... كان عندى وقتها تقريبا تسع سنين ... إستنيت ليلة المولد ... الليله الكبيره .... ويومها بعد العصر سمعت صوت الزفه والطبل والذكر على أول شارعنا .. نزلت جرى ... لقيت واحد من قرايب عم السيد أبو شنب راكب على حصان ورافع سيفه ولا عنتر بن شداد ... ورايات كتير مرفوعه وراه كلها لونها أخضر ... وقدامه صفين من الشباب حوالى 30 واحد ماسكين سيوف ورابطين رؤسهم ووسطهم بالشيلان الخضرا... وبعد الزفه ما لفت البلد كلها ... وقف المحفل أدام بيته ... ونزل الشباب على ركبهم  ... كل واحد ركن راسه على ضهر اللى قدامه .. والمفاجأه .. كل واحد فيهم حط السيف اللى فى ايده على رقبته من  ورا ... ونزل الخليفه ... ومشى فوق السيوف والناس بتهلل فى منظر عمرى ما هنساه.
رجعت عالبيت جرى .. وفضلت مستنى لحد ما الدنيا ضلمت والذكر اشتغل فى المولد ... تجاهلت المراجيح والتلات ورقات وصور نجوم السيما.. والبنادق والمدفع .. عديت كل ده مباشرة على حضره كانت بتذكر على فرشة قش فى آخر المولد ... وقفت فى صف ... وفاكر أد إيه كنت مكسوف لأنى الوحيد اللى لابس قميص وبنطلون ... بس زى ما تقول كده كنت فاهم من كتر ما شوفت ... إندمجت بسرعه... وحركتى بقت منتظمه مع اللى حواليا ... لحد ما بقيت مش شايف أى حاجه  ... أنا وبس .... طاير لوحدى ..  مش شايف غير هالة نور ... وبرَّاها ... مفيــــــــش ... لابس الجلابيه البيضا ... ورابط راسى بالشال الأخضر ... ومش سامع غير صوتى بيقول:  الله .. حى .. الله .. حى.



ا